ما هي قصتك ..

ثلاث حكايا او قصص .. كلّ منّا يملك ثلاث حكايا, الأولى قصتي التي أشاركها مع نفسي فقط, تنعكس فيها شخصيتي كما أراها حقيقة, القصة الثانية التي نشاركها مع الآخرين نروي فيها ما نرغب أن يراه الآخرين فينا, و القصة الثالثة هي التي لم تكتب بعد,  وهي كل شيء لطالما رغبت و حلمت بأن أكونه, فهي الحكاية كما أتمناها أن تكون. 

أفضل الحالات أن تتطابق الثلاث قصص مع بعضهم البعض , فتصبح حياتك الآن, هي حياتك التي تتمناها و التي تشاركها مع الآخرين.. أوليست هذه صورة من صور السعادة؟ 

تعرّف على نفسك

إلى أي درجة تعتقد أنك تعرف نفسك؟ كم من الوقت تمضي محاولا فهم سلوكك و مشاعرك و مصادر أفكارك؟ للوهلة الأولى قد يبدو الجواب لهذه الأسئلة بديهيا, لكن لو تمعنّا في الإجابة, قد نتفاجأ.. كل إنسان و تجربته تختلف عن أي إنسان آخر، فليس هناك جواب محدد لهذا السؤال.

لمحاولة جعل هذه الفكرة منطقية أكثر, سوف أستخدم مثالا في محاولة لنقل الفكرة إلى صورة سهلة الإستيعاب, فلنفرض أننا عبارة عن راكبين في مركبة حديثة جدا, لا نعرف كيف أصبحنا في داخلها, لكنّنا فيها و نحن الراكبون الوحيدون في هذه المركبة. فما الذي نحتاجه لنستطيع قيادة هذه المركبة بشكل سلس و تجنب القيام بأخطاء قد تعرضنا للخطر؟

الخطوة الأولى التي نحتاج لاتخاذها هي التعرف على آلية سير المركبة و التقنية التي بنيت عليها, فلا بد لنا أن نعرف كيف نتحكم باتجاهاتها و سرعاتها, الوقود الذي سوف نحتاجه لسير المركبة, فهم مؤشرات المركبة, فهي الطريقة التي نستطيع فيها فهم ما يجري و التصرف عندها, فأنت بحاجة دائما للتعرف على مقدار الطاقة التي لديك, الإتجاه الذي تسير فيه, السرعة, و كيف توقف المركبة أو تبعدها عن الخطر في حال صادفك طريق وعر, و عندما تصبح متمكنّنا من قيادتك, عند ئذ تستطيع الذهاب أينما شئت, وقتما شئت,  و هو ما يصبو إليه كل إنسان على وجه الأرض. 

نحن في هذا العالم في أجساد تشبه المركبة التي قمنا بوصفها, فلنتخيل أننا أتقنا قراءة المؤشرات التي تدلنا أين نحن على الطريق الذي يودي إلى وجهتنا المرغوبة. و أننا في شبه تحكم بأنفسنا , نستطيع تعديل سرعاتنا و قوانا بحسب الوعورة التي تواجهنا على الطريق, و نحن في تواصل تام مع ما يحدث في داخلنا و على الطريق, و نحن على علم دائم أين نحن من وجهتنا, فهل هناك شيء قد يجعنا نقلق حين نكون في هذه التحكم الكامل و المعرفة؟ أليس من البديهي أن شعور التحكم سيعطينا إحساس بالسلام و القوة, و سيجعل من الرحلة على هذا الطريق أمرا محبّب؟ 

فما هي الأمور التي يجب أن نتقن قرائتها و التحكم بها لنعيش حياة بسلاسة و تحكم؟

ربما علينا البدء من معرفة من نحن حقّا, السبب الذي يدفعنا أن نفكر كما نفكر, و نحس بما نحس, و البحث عن العامل المميز الذي يجعل كلّ أحد منّا مميزا عن الآخر, و العامل المشترك الذي يجعلنا متشابهين في كثير من الأحيان.. 

لنبدء هذه الرحلة الإستكشافية, قد نبدء ببعض الأسئلة التي قد نطرحها على أنفسنا.. 

  • من أنا ؟ 
  • ماذا أريد من هذه الحياة؟ 
  • ما الذي يجعلني مميزا عن غيري ؟ 
  • ما الذي يجعلني سعيدا؟ 

هذه الأسئلة هي أمثلة, و لكن قد نبدء بطرح أسئلة على أنفسنا مغايرة لهذه الأسئلة, و هكذا نكون قد بدءنا رحلة البحث و التعرف على أنفسنا.. 

أنا …هنا … الآن …

كل إنسان يمتلك من القوة و القدرة بما يكفي لتغيير عوالم, لكن القدرة على استخدام الطاقة هذه محصور بمكان و زمان محددين, يمكن وصف هذه الحالة بالحاضرو حين يكون تركيز الإنسان في اللحظة الحالية بمكانه الحالي. كلّ منّا يعيش هذه الحالة من وقت لآخر و تترافق هذه الحالة دائما مع إحساس بالسلام و الطمئنينة, و بأن كل شيء على ما يرام, و لكن هكذا أوقات قد لا تدوم بدون أن نلاحظ أمرا قد يثير الإستياء, فتصبح العودة إلى هذه الحالة مرة أخرى مستبعدة. 

لكن أليس هناك طريقة ما تمكننا من الوصول إلى هذه الأحاسيس بالسلام و الطمئنينة متى نشاء ؟ بلا.. هناك عدد لا نهائي من الطرق التي قد تجعل من حياتنا مليئة باللحظات المسالمة و التي بالتالي تحول حياتنا للأفضل.. و الجميل بالموضوع أن كل واحد منّا قادر على فعل هذا بغض النظر عن الظروف المحيطة.

قد يحتاج الأمر وقتا و بعض الجهد و لكن الأمر يستحق المحاولة. 

سأحاول جاهدة جلب بعض الآليات و الأفكار التي قد تساعد, لكن أي شخص يرغب بالحصول على حياة مسالمة قادر على ذلك بدون أي مساعدة, فكل شيء أي منّا نحتاجه موجود بداخلنا, و لكن لا انفي ان وجود شخص آخر قد يساعدنا و هو أمر جميل, لكنه ليس بضرورة . 

سوف أحاول من خلال المقالات القادمة و الفيديوهات المسجلة تناول الموضوع بتفاصيل دقيقة أكثر.. 

التعرف على عالمنا الداخلي

بعض المشاعر التي قد تنتابنا و التي تباغتنا على حين غرة هي طريقة الكون في أن يقول لنا قف , تمهل , خذ نفسا عميقا, و أنظر الى الداخل.. فكم  من الوقت في اليوم نقضيه مع أنفسنا لنتعرف عليها و نرى ما يحدث في داخلها؟

أنا الآن في الحادية و الثلاثين من عمري, و لا أعلم عن نفسي إلا القليل, كل ما لدي هو تصوّر لما يجب أن أكون عليه, أو ما يجب أن أحب و أكره, ما أعتقد أنه شخصيتي التي نشئت عليها و التي تطورت إلى ما أنا عليه حاليا, فلدي أفعالي و ردود أفعالي التي قد تكون مبررة في بعض الأحيان, و لكنها غير مبررة في أحيان كثيرة. و لكن هل هذا دقيق فعلا؟ هل معرفتي هذه لنفسي كافية؟ أو حتى حقيقية و موضوعية ؟

أن يعرف أي شخص نفسه بشكل حقيقي, هو أن يتيقن مما يحب و ما يكره, ان يعلم حدود أحلامه و طموحاته, و موقعه الحالي من هذه الأحلام, أن يفهم في كل شعور ما عندما ينتابه من حزن او فرح أو غضب أو حتى ملل , المصدر الحقيقي لهذا الشعور و منبعه. أن يعلم عند أي فعل أو ردة فعل يقوم بها, السبب الحقيقي وراءها

ربما نتسائل, ماذا سنستفيد من هذه المعرفة, و مالفرق الذي قد تحدثه هذه المعرفة ..

في الحقيقة, الفائدة من معرفتنا لأنفسنا لا تقاس.

فمعرفتنا بدوافع و منابع هذه المشاعر, سيساعدنا في تجنب ما يحزننا و الاكثار مما يجلب لنا السعادة, و هذا ما سيدفع بتجربتنا الحياتية لتصبح مميزة, هذه المعرفة تعني أننا نملك فهما أعمق لما يحدث في حياتنا, فلا تعود ردات الفعل النمطية عبارة عن ردات آلية غير مبررة, إنما نقطة بداية لبحث أعمق عن الدوافع لردود الأفعال هذه, و المعرفة هي أول خطوة نحو التغيير, فلا يمكن أن نغير شيئا دون أن نعلم ما هو حق المعرفة.

في هذه الحياة أجسادنا و عقولنا هي المركبات اللاتي يحملننا في مسيرتنا هذه, فمعرفتنا بطريقة عمل هذه المركبة و كيفية قيادتها و الوقود الذي يغذيها , سيساعدنا في أن نحصل على أفضل أداء منها, و تحكم أفضل, و بالتالي قدرة أفضل على تجاوز الصعاب و الوصول إلى الوجهات التي نريدها.

سنتحدث أكثر في مقالات قادمة عن هذه العالم الداخلي, و كيف نبدأ رحلة المعرفة و التغيير هذه, فمن الأكيد أن هناك الكثير من السبل و الطرق التي قد تساعدنا في مبتغانا هذا.